أخبــاربلاد المهجر

فجوة الردع تتسع… تأثير قرار واشنطن في أوروبا

يفتح الخبير في الشأن الأوروبي غلين غرانت قراءته للمشهد الأمني في القارة بنبرة حادة، معتبرًا أن أوروبا تجد نفسها عالقة بين ضغوط متزامنة من واشنطن وموسكو. ويرى أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تتعامل مع الحلفاء بعقلية الهيمنة لا الشراكة، رغم امتلاك أوروبا قدرات يمكن أن تشكل قوة مؤثرة إذا جرى توحيدها.

تأتي هذه القراءة في ظل قرار أمريكي مزدوج أثار جدلًا واسعًا داخل الأوساط الأوروبية، تمثل في سحب نحو 5000 جندي، بالتوازي مع التراجع عن نشر منظومات صاروخية متقدمة كانت مخصصة لتعزيز الردع في القارة.

قرار مزدوج وتوقيت حساس
في مطلع مايو 2026، تراجعت واشنطن عن خطة كانت تقضي بنشر كتيبة مزودة بصواريخ بعيدة المدى، تشمل “توماهوك” ومنظومات أخرى متقدمة، كانت قد طُرحت سابقًا ضمن التزامات أمريكية بتعزيز أمن حلف شمال الأطلسي. ويأتي هذا التحول في توقيت حساس، تزامن مع تصاعد التوترات الدولية، ما منح القرار أبعادًا تتجاوز كونه إجراءً عسكريًا تقنيًا.

كما ارتبطت الخطوة بسياق سياسي متوتر، خاصة بعد انتقادات أوروبية لغياب وضوح الاستراتيجية الأمريكية في بعض الملفات الدولية، وهو ما تبعته إشارات ضغط من واشنطن، شملت التلويح بإجراءات اقتصادية، في مؤشر على اتساع فجوة التفاهم بين الطرفين.

فجوة في القدرات بعيدة المدى
يرى عدد من الخبراء أن التراجع عن نشر هذه المنظومات يخلق فجوة واضحة في قدرات الضربات بعيدة المدى داخل أوروبا، وهي فجوة يصعب تعويضها سريعًا. فبرامج تطوير صواريخ أوروبية لا تزال في مراحلها الأولى، ولن تدخل حيز التنفيذ قبل سنوات، ما يترك القارة في وضع انتقالي حساس على مستوى الردع العسكري.

وتبرز هذه الإشكالية بشكل خاص في التعامل مع التهديدات المرتبطة بروسيا، حيث يعتمد جزء من التوازن القائم على القدرات الأمريكية المنتشرة في أوروبا، ما يجعل أي تقليص لها عامل ضغط مباشر على المنظومة الدفاعية للحلف.

أوروبا بين القوة الكامنة والهشاشة المؤقتة
رغم ذلك، لا يُجمع التقييم الأوروبي على صورة قاتمة بالكامل، إذ يرى بعض الخبراء أن القارة تمتلك مقومات قوة كبيرة إذا ما جرى تنسيقها بشكل فعال، وأن أي انسحاب أمريكي لن يؤدي إلى انهيار فوري في التوازن. إلا أن هذا الطرح يقترن بتحذيرات من أن غياب التنسيق السياسي وسرعة التحرك قد يحول هذه القوة الكامنة إلى نقطة ضعف.

وفي هذا السياق، تتجه بعض الدول الأوروبية إلى البحث عن حلول مؤقتة، سواء عبر صفقات تسليح مباشرة أو تسريع برامج تطوير مشتركة، في محاولة لسد الفجوة القائمة، ولو بشكل مرحلي.

رسائل سياسية وعسكرية متداخلة
تعكس الخطوة الأمريكية رسائل متعددة، لا تقتصر على البعد العسكري، بل تمتد إلى إعادة صياغة العلاقة مع أوروبا ضمن توازنات أوسع تشمل روسيا ومناطق توتر أخرى. كما تثير مخاوف من أن أي تقليص غير مدروس للوجود الأمريكي قد يضعف قدرة الردع الجماعي قبل جاهزية البدائل الأوروبية.

في المقابل، يدفع هذا الواقع القادة الأوروبيين إلى إعادة تقييم استراتيجياتهم الدفاعية، وسط تساؤلات متزايدة حول مدى القدرة على التحرك بسرعة وكفاءة لسد الفجوات القائمة.

خلاصة
تكشف التطورات الأخيرة عن مرحلة انتقالية في الأمن الأوروبي، تتسم بتراجع نسبي في الاعتماد على المظلة الأمريكية مقابل سعي متسارع لبناء قدرات ذاتية. غير أن هذه المرحلة لا تخلو من المخاطر، إذ تظل الفجوة بين القرار السياسي والجاهزية العسكرية قائمة، ما يضع القارة أمام اختبار حقيقي لقدرتها على إعادة تشكيل منظومة الردع في بيئة دولية أكثر تعقيدًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى